السيد محمد باقر الصدر
142
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
جعل هيوم يعتقد بأنّ فكرة العليّة وليدة انطباع ، ويفتّش عن هذا الانطباع . وإذا لاحظنا مبدأ الأسبقيّة نفسه وجدنا أنّه يقوم - في رأي ( هيوم ) - على أساس الاستقراء ؛ لأنّه استطاع أن يتبيّن خلال دراسته للانطباعات والأفكار : أنّ الأفكار البسيطة مماثلة للانطباعات البسيطة ، وتابعة لها . ورغم أنّ فكرة العليّة لم تكن من تلك الأفكار التي شملها الاستقراء ، خرج ( هيوم ) من استقرائه بتعميم يشمل سائر الأفكار ، بما فيها فكرة العليّة . فاستطاع أن يطبّقه على فكرة العليّة نفسها . وهكذا نعرف أنّ فرضيّة انطباع تنشأ منه فكرة العليّة مستدلّة عند هيوم بتعميم من التعميمات الاستقرائيّة . فإذا كان الاستدلال الاستقرائي خلواً من أيّ قيمة موضوعيّة ، فمن الطبيعي أن يكون رأي ( هيوم ) في تفسير نشوء فكرة العليّة كذلك أيضاً . بل إنّ الاستقراء الذي اعتمده ( هيوم ) لا يملك الشروط التي يجب توفّرها عادة في الاستقراءات الناجحة ؛ لأنّ التعميم في الاستقراء الناجح لا يمتدّ إلى الأفراد التي يوجد بينها وبين الأفراد المستقرأة فارق نوعي محدّد . فإذا استقرأنا - مثلًا - كلّ أنواع المعادن باستثناء الذهب ، فوجدناها تتمدّد بالحرارة ، لم يكن بالإمكان تعميم النتيجة للذهب أيضاً ؛ لوجود فارق نوعي محدّد بين الذهب والمعادن التي فحصت : من حديد ، ورصاص ، ونحاس . وإنّما تعمّم النتيجة على القطعات الأخرى من الحديد ، والرصاص ، والنحاس ؛ لأ نّنا لا نلاحظ بينها وبين ما فحصنا من قطعات أيّ فارق نوعي محدّد . وفكرة العليّة من قبيل الذهب في هذا المثال : فهب أنّا فحصنا كلّ أنواع الأفكار الأخرى فوجدنا أنّها مصاحبة لانطباع وتابعة له ، فإنّ هذا لا يبرّر أن نعمّم النتيجة على فكرة العليّة نفسها ، ما دامت فكرة العليّة تختلف نوعيّاً عن الأفكار الأخرى .